السيد محمد تقي المدرسي
88
من هدى القرآن
الحياة الدنيا ، وضرب الله لنا مثلًا من ذي القرنين الذي كان في العهود السالفة ، والذي لا نعلم بالضبط فيما إذا كان هو الإسكندر المقدوني الذي فتح كثيراً من بلاد الع - ألم إنطلاقاً من اليونان أو هو ملك من حمير ، أو هو الملك الفارسي كورش الأول - كما تؤكده الدراسات الحديثة - أو هو رجل آخر لم يذكر التاريخ لنا المزيد من قصصه ، سواء كان هذا أو ذاك فلقد ك - ان رجلًا صالحاً ، لم تخدعه بهارج السلطة ، ولم تخرجه الزعامة والسيطرة عن حدود الشرع ، وفي هذه القصة يذكرنا القرآن بعدة حقائق منها : أولًا : إن ما حصل لذي القرنين من سلطة ، إنما كان بسبب منه وسبب من الله ، أما السبب الذي كان منه فهو : اتباع هدى الله ، والاستفادة من الإمكانات المتوفرة في الطبيعة ، وأما السبب الذي كان من الله : فقد علمه الله طريق الحياة وسننها ، وأساليب السيطرة عليها وتسخيرها ، فعمل في سبيل ذلك بهمة فكان العمل منه وكان من الله التوفيق والبركة . ثانياً : إن ما قام به ذو القرنين من أعمال كان ضمن إطار قدرة الله ، وعلمه ، وإحاطته ، فلا أحد يبلغ من السلطة مكاناً في ملكوت الله الواسعة إلا بإذن من الله . ثالثاً : كان ذو القرنين رجلًا صالحاً ، لم ينظر إلى الدنيا نظرة منحرفة ، فحينما أوتي السلطة ، أوحى إليه الله ( ألهمه إلهاما ) : أن بقدرتك أن تسير في الناس بما شئت ، أما أن تعذب ، وأما أن تعمل بالحسنى . فقال ذو القرنين : إنني سوف أسير في الناس بالعدل ، فمن ظلم فإني أعذبه ، ومن لم يظلم فسوف أرحمه . وانطلق الرجل في عملية تعميقية للسلطة من قاعدة : أنها نعمة وفضل من الله ، وأنه يجب أن يستفيد منها استفادة مشروعة ، فجعلها لإقامة العدل ، ودحض الباطل . هذه المقالة توحي إلينا بحقيقة أخرى وهي عبرة هذه القصة ، وهي : إنّ الإنسان قادر على التغلب على شهواته ، وعلى موقعه الاجتماعي ، فلأنك من طبقة الأثرياء أو من حاشية السلاطين وشريف من الأشراف ، هل يجب عليك أن تخضع حتماً لسلبيات طبقتك أو مركزك أو مالك ؟ كلا . . إنّ بإستطاعتك أن تنفلت من قيود المادة وإن أحاطت بك ، وأن تحلق في سماء القيم ، باستطاعتك أن تكون سلطاناً أو غنياً وتقاوم سلبيات طبقتك ، وأن تكون شريفاً ولا يستبد بك حب الشرف والجاه فيخرجك عن طاعة الرب . والقرآن الكريم يعطي الإنسان الثقة بأنه قادر على أن يتفوق على جاذبية الأرض والمادة ، أن هذا الإيحاء المكرر والمستمر في القرآن الكريم هو حجر الأساس في تربية الإنسان ، فلولا